تكاد أصابعي تتجمد من البرودة ، فأتساءل عن السبب الذي يجعلهم يحبون الشتاء كل هذا الحب! أوقفت سيارتي قريبا من البيت ، ثلاث دقائق لا أكثر ، وها أنا أوشك على الموت بردا فور خروجي من السيارة. ثم هذا المطر! كنت أظن أن معطفي الجلدي الطويل سوف يحميني منه ، لكنني الآن مبتل تماما. لماذا يبيعونه بهذا الثمن إذن؟! لكن الحق يقال: لم أشهد أمطارا كهذه منذ ..... لا أذكر. لم أعد أذكر.
أقترب من البناية فأراه. برغم الشلال المنهمر على عيني وعويناتي أرى حدوده فأعرفه. جارنا الغريب هذا! لا أحد يعلم ماذا يعمل بالضبط. لا أحد يعلم عنه شيئا على وجه اليقين ، سوى عودته المتأخرة. دائما متأخرة. ولإن كان التأخر هكذا مفهوما في أيام الصيف ، فلماذا يتأخر أكثر في الشتاء؟ لست أظنه رجلا مهما ، ولا يبدو أبدا من أصحاب الأعمال. فما الذي يشغله هكذا كل يوم؟ لا يعرف أحد ، ولا يتكلم أحد ، أما هو فلا أعرف حتى نبرة صوته. قرر الجميع تجاهله. اعتبرناه نبتة من نباتات الظل التي نزين بها مدخل البناية. غير أننا لا نسخر من نباتات الظل.
مهلا ، انظر كيف يمشي! ليست هذه المرة الأولى التي أراه يمشي هكذا. كأنه يرقص! المجنون! هل يظن أن هذه رومانسية مثلا؟ هو لا يتوقع أن يراه أحد. فلماذا؟ لماذا يخطو بهذا الشكل العجيب: خطوة هنا.. خطوة هناك ، بعيدا. كأنه يتفادى بقعا من الماء لا وجود لها ، فالمدخل مرصوف ببلاط جيد ، مستوٍ. ينظر إلى موضع خطواته بتمهل ، ويقفز! ليس ينقصني جنونه في تلك الليلة السوداء! أنتظر بعيدا عن المدخل حتى ينتهي من عرضه السخيف هذا. يصل إلى الباب ، فيولج مفتاحه ويدخل ، ويترك الباب خلفه مواربا. يا للمصيبة! هل يترك الباب هكذا كل يوم؟ أفي هذه الساعة؟ أم تراه رآني قادما خلفه؟ لا أعرف. لست أظنه يرى غير الأرض.
أسير إلى الباب بسرعة. أسمع صوتا غريبا تحت حذائي. كأنها بيضة تتهشم. أرفع قدمي وأنظر. يا للبشاعة! لقد دهست واحدا من تلك المخلوقات اللزجة. تهشمت قوقعته تماما تحت حذائي الثقيل المقاوم للمياة. أنظر أمام قدمي فأجد مخلوقا آخر ، وآخر ، وآخر. مدخل البناية مزدحم تماما بها! اللعنة! هي أيضا تحتفل بالأمطار؟ لا يهم. لن أنام قبل أن أنظف الحذاء جيدا.
# # #
أحمد الديب
10-12-2009


















